مشروع طموح لسورية ما بعد الأزمة .. الحكومة تعرض استراتيجيتها عبر برنامجها الوطني حتى 2030

يشكل «البرنامج الوطني التنموي لسورية ما بعد الأزمة» مشروعاً طموحاً لإزالة آثار الحرب الإرهابية والسير بسورية إلى مرحلة جديدة تعيدها إلى مكانتها المعهودة وتنقذ اقتصادها من وضعه الراهن إلى واقع أفضل يعكس خيراته على المواطن والبلاد في شتى المجالات والقطاعات.

مشروع طموح

الحكومة قطعت شوطاً لا بأس فيه في إنجاز هذا المشروع المهم، من خلال تقسيمه إلى مراحل ومجموعات عمل، بغية الإسراع في إنهائه ضمن الوقت المحدد له، والانطلاق نحو تنفيذ رؤيتها لسورية ما بعد الأزمة ضمن تخطيط ممنهج ودراسات واقعية تضمن تحقيق الأهداف والغايات المرجوة حسبما هو معلن في البرنامج.

الغرض من البرنامج، حسب تقرير أعدته هيئة «التخطيط والتعاون الدولي» وحصلت «تشرين» على نسخة منه، وضع خطة استراتيجية للدولة لمرحلة ما بعد الأزمة تهدف إلى معالجة آثار الأزمة واستعادة مسارات التنمية، تستند إلى مقدرة المجتمع والاقتصاد السوري على الصمود والتعافي والنمو مع وجود برنامج معتمد يظهر وجهة نظر الحكومة السورية وخططها الهادفة إلى رسم المشهد السوري في المرحلة المقبلة.

في المقابل انطلق البرنامج من التأكيد على الملكية الوطنية لمستقبل سورية والتخطيط لها، والتحول من الجمود التنموي الناجم عن الأزمة إلى إطلاق تدريجي لطاقات المجتمع والاقتصاد، وصولاً إلى النهوض بجميع مكونات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتأكيد على استمرارية المؤسسات السورية وتعزيز قدراتها وكفاءتها، وتعزيز العدالة الاجتماعية والانتماء والهوية الوطنية، وتعزيز الحوار الوطني والتعددية السياسية.

وكما حلل البرنامج الوطني التنموي لسورية ما بعد الأزمة الحالة التنموية لسورية خلال سنوات 2000-2017 من خلال القطاعات التي تندرج ضمن المحاور الخمسة للبرنامج، حيث بين هذا التحليل الاختلالات الأساسية في بنية وهيكلية المجتمع والاقتصاد السوري في ما قبل الحرب والآثار القائمة والمحتملة للحرب، وهنا يؤكد القائمون على إعداد البرنامج أهمية وجود رؤية وطنية للدولة السورية للخروج من مأزق قصور التنمية الذي كرسته الحرب، تبرز أهداف وتطلعات الشعب السوري وتلقي الضوء على الطريق الذي ستسلكه عملية إعادة بناء التنمية وتقدم إطاراً لمسارات التنمية خلال السنوات القادمة.

رؤية مستقبلية حتى 2030

وقد حدد البرنامج الرؤية المستقبلية لسورية 2030، تحت بند اسمه «سورية مهد الحضارات وبلد الاستقرار والتسامح والعيش المشترك»، وذلك بإيجاد مجتمع مزدهر معاصر معتمد على ذاته، محافظ على هويته وثقافته الأصيلة ومنفتح على الثقافات الأخرى، تترسخ فيه مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويتمتع فيه المواطن برفاه اقتصادي وبوضع صحي وتعليمي متميز منجز لمهام التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، معتمد على تنمية اقتصادية تشاركية واقتصاد متنوع، مندمج بالاقتصاد العالمي بندية، يمتاز بإنتاجية مرتفعة وقدرة تنافسية عالية، ويعتمد المعرفة مصدراً أساسياً للنمو استناداً إلى إطار مؤسساتي متقدم يعتمد على سلطة القانون والشفافية والكفاءة في إدارة الموارد.

وقسم البرنامج من أجل تسهيل تنفيذ خطته لسورية ما بعد الحرب، إلى رؤى فرعية حسب خمسة محاور تمثلت أولاً بمحور الحوار الوطني والتعددية السياسية، وذلك عبر إنجاز المصالحات وإعادة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة، عودة المهجرين وتأمين استقرارهم في مواطنهم الأصلية، والتمسك الاجتماعي والعيش المشترك، وغرس قيم الحوار، وتعزيز ثقافة المواطن والمواطنة، ومجتمع ديمقراطي معاصر، ودور إقليمي ودولي فاعل، وتعميم نمط الحوكمة الاجتماعية المتصلة بالتشارك والإدارة المشتركة، أما محور الإصلاح الإداري وتعزيز النزاهة فتمحور حول تعزيز كفاءة المؤسسات وتعزيز الشفافية والمرونة والتشاركية، ورفع كفاءة وفعالية الخدمات الحكومية، وتحسين جودة الموارد البشرية وتطوير وسائل التقييم وجذب الكفاءات وإرساء لا مركزية إدارية وتعزيز مبدأ فصل السلطات وسيادة القانون، وقضاء مستقل وعادل ونزيه ومؤسسات رقابية حيادية وفاعلة، وحماية الحقوق والحريات، وضمان مرونة التشريع.

وفيما يخص محور النمو والتنمية، فقد ركز على تحقيق معدلات نمو مستدام «ضمان استدامة الموارد البيئية والطبيعية»، تستند إلى اقتصاد متنوع المصادر ذي قدرة تنافسية عالية، ومكافحة الركود التضخمي وضمان عدالة التوزيع، وتحقيق الأمن الغذائي، وتحسين جغرافية التنمية، بالاستفادة من الميزات النسبية والتنافسية للمناطق السورية، وإنجاز تنمية قائمة على التكنولوجيا الحديثة والمعرفة وتحقيق معايير العمل اللائق، والاعتماد على الذات مع الانفتاح على الخارج وتعظيم الانتفاع من التعاون الدولي، أما محور البنى التحتية والطاقة، فقد ركز على توفير مقومات عودة النازحين واللاجئين من البنى التحتية الخدمية، وإعادة إعمار البنى التحتية وفق منظور جديد ينطلق من مبادئ التخطيط الإقليمي والمحلي لتحسين جغرافية الخدمات والبنى التحتية، وتوفير بنى تحتية جاذبة وسكن لائق وانتفاع أمثل من الموارد المتاحة والطاقات المتجددة وتوفير احتياجات القطر من النفط والغاز والمشتقات النفطية، ورفع كفاءة استخدام الطاقة وترشيد الاستهلاك في مختلف القطاعات.

أما المحور الأخير المتعلق بالتنمية الانسانية، فركز على بناء مجتمع متوازن ديموغرافياً وحياة صحية مديدة، ومجتمع معرفي يستند إلى جودة التعليم والتكوين الثقافي ومنظومة حماية اجتماعية متكاملة والمشاركة التكاملية الفاعلة والمؤثرة لجميع القطاعات والفئات في عملية التنمية.

التركيز الاستراتيجي

وحسبما أعد الفريق المكلف بإنجاز البرنامج الوطني لسورية ما بعد الأزمة، فقد قسمت أيضاً محاور التركيز الاستراتيجي وفق مراحل، أولها مرحلة التعافي، وذلك من خلال التركيز على قطاعات الإنتاج الحقيقي وتقليص الاعتماد على الاقتصاد الريعي وتفعيل تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين معايير كفاءة الإنتاج وتعظيم الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وإعادة النظر بجدوى ومنهجيات الدعم وإصلاحها لتسهم في تحسين عدالة التوزيع وإصلاح سوق العمل وتحقيق معايير العمل اللائق وتحسين إمكانات الوصول إلى الخدمات المالية، وفتح منافذ تصدير للمنتجات السورية، وتصحيح خلل جغرافية التنمية والتركيز على التخطيط المحلي والإقليمي، وتعزيز كفاءة وكفاية البنى التحتية الإنتاجية.

وثانيها مرحلة الانتعاش وذلك من خلال تعزيز الترابطات البينية بين القطاعات ومكافحة الركود التضخمي وتوسيع تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإيلاء الاهتمام برفع نسبة المكون التكنولوجي في المجتمعات السورية وصولاً إلى الاقتصاد الرقمي، وتنشيط قطاع الخدمات المالية والمصرفية، وتحسين توازنات الاقتصاد الكلي وعجز الموازنة وعجز ميزان المدفوعات والميزان التجاري، وتطوير آليات تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والنمو السكاني والحفاظ على استدامة الموارد البيئية.

أما المرحلة الثالثة فركزت على تشكيل هوية الاقتصاد السوري وضمان استدامة وشمولية النمو الاقتصادي والانتفاع الأمثل من الموارد المتاحة والحفاظ على الموارد الطبيعية والتشغيل وعدالة التوزيع والمحافظة على حقوق الاجيال، وإيلاء الاصلاح الإداري في المؤسسات الأهمية اللازمة لتطوير إدارتها وأدوار الفاعلين فيها، وتعزيز العملية التنموية المستدامة والمتوازنة.

تقسيم الأدوار

وحدد البرنامج الوطني لسورية ما بعد الأزمة أدوار الجهات المعنية عن تنفيذه بدقة، حيث أكد أن الحكومة المركزية يقع على عاتقها إعادة الاستقرار والحفاظ على الأمن وتطبيق القانون، وقيادة عملية إعداد خطط إعادة الإعمار وفقاً للإمكانات المتاحة، وتوفير البيئة التشريعية والتنظيمية المناسبة لتحقيق التنمية المستدامة، وتوجيه وإدارة الموارد وتوزيعها بين القطاعات والمحافظات بوجه أمثل يحقق أعلى عوائد اقتصادية واجتماعية، وتعزيز الاستثمار وتسهيل مهام إقامة المنشآت الاقتصادية وتوفير الإجراءات التسهيلية وبناء مراكز وأقطاب نمو وتحقيق تنمية إقليمية متوازنة، وتوفير شراكة حقيقية مع القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع حيوية إنتاجية وخدمية مشتركة، وضمان شروط المنافسة ومنع الاحتكار ومراقبة الجودة والمقاييس للإنتاج الوطني وتشجيع عمليات التطوير والتحسين والحفاظ على البيئة وعلى المواقع السياحية والأثرية والمناطق المحمية والانتفاع منها.

أما مسؤولية الإدارات المحلية، فتتركز على تقييم أضرار وخسائر قطاعات التنمية المحلية في المحافظات وتفعيل الخطة الوطنية اللامركزية في إطار تنفيذ قانون الإدارة المحلية وضع خطط تنمية محلية لكل محافظة تتضمن الرؤى التنموية ومسارات التنمية فيها من منظور تكاملي ضمن إطار التخطيط الوطني والإقليمي والنهوض بمستوى تقديم الخدمات الاقتصادية والاجتماعية الحلية وتوفير البيئة التمكينية الملائمة للمعاملات والإجراءات الإدارية، والحفاظ على الموارد الطبيعية وإدارة الأراضي وتوزيعها على المنشآت والمراكز الصناعية والتجارية والسكنية بما يحقق وجود مدن ومراكز خدمات حديثة.

وحدد البرنامج دور القطاع الخاص بالمساهمة في إعادة إعمار القطاعات الاقتصادية والخدمية وزيادة الاستثمار والإنتاج الخاص، وتحقيق أنماط مختلفة من التشارك مع القطاع العام في تنفيذ مشاريع التنمية، والمساهمة في الاستثمار في البنية التحتية والاجتماعية بالاستفادة من الحوافز التي تقدمها الحكومة، وزيادة المساهمة في إيرادات الدولة والالتزام بالقوانين والقواعد الضريبية والإقرار الضريبي، وتوفير الشفافية في السوق لضمان حقوق الأطراف، في إطار قانوني وقضائي واضح مع تحمل جزء من المسؤولية الاجتماعية بتنمية المجتمعات المحلية، ودعم مؤسسات الرعاية الاجتماعية والإسهام في المشاريع المخصصة لتطوير المناطق الأقل نمواً.

أما دور المنظمات غير الحكومية، فتمحور حول المساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة ودعم وتسهيل عودة النازحين واللاجئين والمساعدة في إنجاز برامج الإصلاحات الاجتماعية وبرامج التدريب وبناء القدرات الشعبية وبرامج القروض الصغيرة والميسرة، إضافة إلى برامج المناصرة والدعم لحقوق المرأة والطفل والفئات الخاصة وغير ذلك من البرامج الاجتماعية وتنفيذ برامج للتعبئة الاجتماعية لتوليد فرص جديدة للعمل وتحسين أوضاع المناطق المتضررة والفقيرة والنهوض بأوضاع أسرها المعيشية، وتنفيذ برامج رقابة على السوق لرعاية أوضاع المستهلك والحد من مظاهر الاستغلال والفساد كذلك الرقابة على أجهزة الدولة التي تحتك بالمواطن وحياته اليومية وتقدم له الخدمات الاجتماعية، والمساهمة في تنفيذ خطط التنمية الإقليمية والمشاركة في اجتماعات المجالس التخطيطية المحلية لأجل الرقابة على تنفيذ المشاريع، ولتطوير المناطق الأقل نمواً.

تحديات بالجملة

وأشار البرنامج إلى التحديات التي تواجه تنفيذه وتتعلق بالتقارب السياسي لناحية إرساء الأمن والاستقرار والتهديدات الخارجية والإرهاب، والنمو والتنمية الاقتصادية، المتعلق بالحصار الاقتصادي والإجراءات القسرية، وخلل الجغرافيا الاقتصادية، ومحدودية الموارد المالية واتساع الاحتياجات وهجرة رأس المال الوطني وتحدي الأمن والغذائي والمائي والطاقي، إضافة إلى التحدي المتعلق بالبناء المؤسساتي فيما يخص كفاءة المؤسسات في قيادة عملية التحول وإنجاز التنمية المستدامة والموارد البشرية والكفاءات، أما التحدي المتعلق بالبنى التحتية وخاصة لجهة الدمار الواسع ومتطلبات عودة النازحين واللاجئين، ويتعلق التحدي الأخير في التنمية الإنسانية لناحية النزوح والهجرة واستنزاف الموارد والوعي المجتمعي والحماية الاجتماعية.

انظر أيضاً

729 مليون ليرة مبيعات نسيج اللاذقية

أنتجت شركة نسيج اللاذقية خلال العام الماضي 413ر3 ملايين متر طولي من الأقمشة الخامية وبنسبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *